فصل: الحديث الحَادِي بعد السِّتين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث السَّابِع بعد الْخمسين:

قَالَ الرَّافِعِيّ فِي تَوْجِيه عدم الصَّلَاة عَلَى قَبره أَيْضا: لما رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى؛ اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد».
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أَخْرجَاهُ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وَفِيهِمَا أَنه قَالَ ذَلِك عِنْد وَفَاته. وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جُنْدُب بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: سَمِعت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل أَن يَمُوت بِخمْس وَهُوَ يَقُول: «أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد، إِنِّي أنهاكم عَن ذَلِك». وَرَوَى مُسلم أَيْضا عَن أبي مرْثَد الغنوي، واسْمه كناز- بالنُّون الْمُشَدّدَة وَالزَّاي- بن الْحصين أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا تجلسوا عَلَى الْقُبُور، وَلَا تصلوا إِلَيْهَا».

.الحديث الثَّامِن بعد الْخمسين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يدْفن أَصْحَابه فِي الْمَقَابِر».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح متواتر، وَمن تدبر الْأَحَادِيث وجد ذَلِك، وَمِنْهَا الحَدِيث الصَّحِيح: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَتَى الْمقْبرَة فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين...» الحَدِيث بِطُولِهِ.

.الحديث التَّاسِع بعد الْخمسين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم دفن فِي حجرَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها».
هَذَا الحَدِيث أَيْضا صَحِيح متواتر مَعْرُوف، فَهُوَ فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فِي حَدِيثهَا فِي الْوَفَاة قَالَت: «فَلَمَّا كَانَ يومي قَبضه الله بَين سحرِي وَنَحْرِي، وَدفن فِي بَيْتِي» وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ عَن عَائِشَة قَالَت: «لما قبض رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتلفُوا فِي دَفنه، فَقَالَ أَبُو بكر: سَمِعت من رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا مَا نَسِيته، قَالَ: مَا قبض الله نبيًّا إِلَّا فِي الْموضع الَّذِي يحب أَن يدْفن فِيهِ. ادفنوه فِي مَوضِع فرَاشه». قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب، وَفِيه عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الْمليكِي يضعف، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غير هَذَا الْوَجْه، قد رَوَاهُ ابْن عَبَّاس عَن أبي بكر عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قلت: أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن إِسْحَاق، حَدثنِي حُسَيْن بن عبد الله، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي حَدِيث طَوِيل: «لقد اخْتلف الْمُسلمُونَ فِي الْموضع الَّذِي يحْفر لَهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: يدْفن فِي مَسْجده. وَقَالَ قَائِلُونَ: يدْفن مَعَ أَصْحَابه. فَقَالَ أَبُو بكر: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: مَا قبض نَبِي إِلَّا دفن حَيْثُ يقبض. قَالَ: فَرفعُوا فرَاش رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي توفّي عَلَيْهِ، ثمَّ دفن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وسط اللَّيْل من لَيْلَة الْأَرْبَعَاء». وحسين هَذَا تَركه النَّسَائِيّ، وَرَوَاهُ مَالك بِنَحْوِهِ بلاغًا، وَفِي مُسْند أَحْمد عَن عبد الرَّزَّاق، أَخْبرنِي ابْن جريج، أَخْبرنِي أبي أَن أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يدروا أَيْن يقبرون النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى قَالَ أَبُو بكر: سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: «لم يقبر نَبِي إِلَّا حَيْثُ يَمُوت. فأخروا رَأسه، وحفروا لَهُ تَحت فرَاشه».

.الحديث السِّتُّونَ:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث هِشَام بن عَامر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُم يَوْم أحد ذَلِك، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لَهُم، خلا ابْن ماجة فَإِنَّهُ قَالَ: «أَحْسنُوا» بدل «أعمقوا»، وخلا أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ: «احفروا، وأوسعوا». وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد قَالَ: «جَاءَت الْأَنْصَار إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد فَقَالُوا: أَصَابَنَا قرح وَجهد فَكيف تَأْمُرنَا؟ فَقَالَ: احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا، وَاجْعَلُوا الرجلَيْن وَالثَّلَاثَة فِي الْقَبْر. قيل: فَأَيهمْ نقدم؟ قَالَ: أَكْثَرهم قُرْآنًا». وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد فِي كتاب الْبيُوع من سنَنه، وَالْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب من سنَنه من حَدِيث عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه- وَهُوَ تَابِعِيّ- عَن رجل من الْأَنْصَار قَالَ: «خرجنَا مَعَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَنَازَة، فَرَأَيْت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى الْقَبْر يُوصي الْحَافِر: أوسع من قبل رجلَيْهِ، أوسع من قبل رَأسه».
إِسْنَاده صَحِيح، وَعَاصِم من رجال مُسلم، وَهُوَ ثِقَة، كَمَا شهد لَهُ بذلك ابْن معِين وَغَيره، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَا يحْتَج بِهِ إِذا انْفَرد. قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي الحَدِيث الأول: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره عَن أَيُّوب، عَن حميد بن هِلَال، عَن هِشَام بن عَامر. يُرِيد بذلك أَنه لَيْسَ بَين حميد وَهِشَام وَاسِطَة، وَقد أخرجه كَذَلِك النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنهمَا، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، عَن حميد، عَن أبي الدهماء قرفة بن بهيس- تَابِعِيّ انْفَرد بِهِ مُسلم- عَن هِشَام. قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سَأَلت أبي: أَي هذَيْن الْحَدِيثين أصح؟
فَقَالَ: حَدِيث حميد عَن هِشَام. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة، عَن حميد، عَن هِشَام بِهِ.
فَائِدَة: هِشَام بن عَامر هَذَا أَنْصَارِي، كَانَ اسْمه شهابًا، فَغَيره النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهِشَام، وَاسْتشْهدَ أَبوهُ يَوْم أحد، وَهُوَ من الصَّحَابَة الَّذين انْفَرد مُسلم بِإِخْرَاج حَدِيثهمْ، أخرج لَهُ حَدِيثا وَاحِدًا فِي ذكر الدَّجَّال، وَلم يخرج لَهُ أَصْحَاب السّنَن سُوَى هَذَا الحَدِيث الَّذِي أوردناه عَنهُ، سكن الْبَصْرَة وَمَات بهَا، وَلما أخرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد حَدِيث هِشَام هَذَا بِزِيَادَة ذكر الدَّجَّال فِي آخِره قَالَ: انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم. وَمرَاده بِذكر الدَّجَّال لَا بِالْحَدِيثِ بِكَمَالِهِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي مُسلم أصلا، فَتنبه لذَلِك.

.الحديث الحَادِي بعد السِّتين:

عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ: أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «اللَّحْد لنا، والشق لغيرنا».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة بِهَذَا اللَّفْظ، وَإِسْنَاده ضَعِيف، فَإِن فِي إِسْنَاده عبد الْأَعْلَى بن عَامر، ومدار الحَدِيث عَلَيْهِ، وَهُوَ غير مُحْتَج بحَديثه، كَانَ ابْن مهْدي لَا يحدث عَنهُ، وَوصف اضطرابه، وَقَالَ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة: ضَعِيف الحَدِيث. زَاد أَبُو زرْعَة: رُبمَا رفع الحَدِيث وَرُبمَا وَقفه. قَالَ يَحْيَى: تعرف وتنكر. وَقَالَ مرّة: ثِقَة. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم، وَقَالَ ابْن عدي: حدث بأَشْيَاء لَا يُتَابع عَلَيْهَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: أرَى هَذَا الحَدِيث لَا يَصح من أَجله.
قلت: وَأغْرب ابْن السكن فَذكره فِي سنَنه الصِّحَاح وَقد رُوِيَ من غير حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا، رَوَى ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي علله فِي حَدِيث جرير بن عبد الله البَجلِيّ، وَلَا يَصح أَيْضا؛ فَإِن فِي إِسْنَاده عُثْمَان بن عُمَيْر البَجلِيّ الْكُوفِي الرَّاوِي عَن زَاذَان، عَن جرير، وكنيته أَبُو الْيَقظَان، وَلَا يحْتَج بحَديثه، قَالَ أَحْمد: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ يَحْيَى: حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ ابْن حبَان: اخْتَلَط حَتَّى لَا يدْرِي مَا يَقُول، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَأغْرب ابْن السكن فَذكره فِي سنَنه الصِّحَاح، وَذكر ابْن عدي أَنه لَا يُتَابِعه عَلَيْهِ أحد. وَلَيْسَ كَمَا ذكر؛ فقد تَابعه عَلَيْهِ عَمْرو بن مرّة؛ فَرَوَاهُ الْحجَّاج بن أَرْطَاة عَنهُ، عَن زَاذَان، عَن جرير، كَذَا أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ، وَعَمْرو بن مرّة هُوَ الْجملِي حجَّة أخرجُوا لَهُ، ووثق، ورماه أَبُو حَاتِم بالإرجاء، وَتَابعه أَيْضا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا عَن الدبرِي، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن الثَّوْريّ، عَن سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، عَن زَاذَان، عَن جرير. وَتَابعه أَيْضا ثَابت، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن أسود بن عَامر، ثَنَا عبد الحميد، عَن ثَابت، عَن زَاذَان، عَن جرير بِنَحْوِهِ. وَتَابعه أَيْضا أَبُو جناب، رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا من حَدِيثه عَن زَاذَان عَنهُ. وَفِي رِوَايَة للْإِمَام أَحْمد ضعفه بِسَبَب أبي الْيَقظَان السالف: «اللَّحْد لنا، والشق لغيرنا لأهل الْكتاب».
فَوَائِد:
الأولَى: لما رَوَى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن جرير، وَعَائِشَة، وَابْن عمر، وَجَابِر. قَالَ ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه: وَفِيه أَيْضا عَن بُرَيْدَة بن الْحصيب وَابْن مَسْعُود.
الثَّانِيَة: يعضد هَذَا الحَدِيث فِي تَقْدِيم اللَّحْد عَلَى الشق أَنه الَّذِي اخْتَارَهُ الله- تَعَالَى- لنَبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَمَا ستعلمه، وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سعد بن أبي وَقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عَلّي اللَّبن نصبا، كَمَا صنع برَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم».
الثَّالِثَة: الشق: بِفَتْح الشين واللحد: بِفَتْح اللَّام وَضمّهَا لُغَتَانِ، قَالَ الْجَوْهَرِي: الضريح، الشق فِي وسط الْقَبْر، واللحد فِي الْجَانِب.

.الحَدِيث الثَّانِي بعد السِّتين:

رُوِيَ «أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجلَانِ، أَحدهمَا يلْحد والأخر يشق، فَبعث الصَّحَابَة فِي طلبهما، وَقَالُوا: أَيهمَا جَاءَ أَولا عمل عمله لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فجَاء الَّذِي يلْحد، فلحد لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم».
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق:
أَحدهَا: من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «لما توفّي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يلْحد وَآخر يضرح، فَقَالُوا: نستخير رَبنَا ونبعث إِلَيْهِمَا، فَأَيّهمَا سبق تَرَكْنَاهُ. فَأرْسل إِلَيْهِمَا، فَسبق صَاحب اللَّحْد؛ فلحد لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم». رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَابْن مَاجَه فِي سنَنه بِإِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات، إِلَّا مبارك بن فضَالة؛ فَإِن النَّسَائِيّ ضعفه، وَقَالَ عَفَّان: ثِقَة من النساك وَكَانَ وَكَانَ. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: إِذا قَالَ: ثَنَا فَهُوَ ثِقَة.
قلت: قد صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: ثَنَا حميد.
ثَانِيهَا: من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: «لما أَرَادوا أَن يحفروا لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بعثوا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح، وَكَانَ يضرح كضريح أهل مَكَّة، وبعثوا إِلَى أبي طَلْحَة، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يحْفر لأهل الْمَدِينَة وَكَانَ يلْحد، فبعثوا إِلَيْهِمَا رسولين، وَقَالَ: اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك. فوجدوا أَبَا طَلْحَة، فجيء بِهِ- وَلم يُوجد أَبُو عُبَيْدَة- فلحد لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم» ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث، وَهُوَ قِطْعَة من الحَدِيث السالف فِي دَفنه فِي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة، وَقد أسلفنا أَن فِي سَنَده حُسَيْن بن عبد الله، وَأَن النَّسَائِيّ تَركه، وَقَالَ يَحْيَى مرّة: لَا بَأْس بِهِ، يكْتب حَدِيثه. وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ: «ثمَّ دَعَا الْعَبَّاس رجلَيْنِ، فَقَالَ: ليذْهب أَحَدكُمَا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح- وَكَانَ يُصَرح لأهل مَكَّة- وليذهب الآخر إِلَى أبي طَلْحَة- وَكَانَ يلْحد لأهل الْمَدِينَة- قَالَ: ثمَّ قَالَ الْعَبَّاس لَهما حِين سرحهما: اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك. فذهبا، فَلم يجد صَاحب أبي عُبَيْدَة أَبَا عُبَيْدَة، وَوجد صَاحب أبي طَلْحَة أَبَا طَلْحَة، فجَاء فلحد لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم».
ثَالِثهَا: من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة عَن عَائِشَة، رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا، قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَعبد الرَّحْمَن يضعف من قبل حفظه، وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك. وَقَالَ البُخَارِيّ: ضَعِيف ذَاهِب الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: ينْفَرد عَن الثِّقَات بِمَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات، فَلَا أَدْرِي كثر الْوَهم مِنْهُ أَو من ابْنه مُحَمَّد، وَابْنه فَاحش الْخَطَأ وَأكْثر رواياته تَدور عَلَى ابْنه؛ فَوَجَبَ تَركه لاشتباه أمره.
وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: «كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجلَانِ، أَحدهمَا يشق، والأخر يلْحد، فجَاء الَّذِي يلْحد، فلحد لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم». قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ هِشَام، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، من طَرِيق يَحْيَى بن عُرْوَة بن الزبير، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة، عَن هِشَام، عَن أَبِيه مُرْسلا، وَهُوَ الْمَحْفُوظ، قَالَ: كَذَلِك رَوَاهُ مَالك وَابْن عُيَيْنَة.
وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن حَدِيث عَائِشَة هَذَا، فَقَالَ: الصَّحِيح عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، بِإِسْقَاط عَائِشَة.- قلت: الَّذِي رَوَاهُ بإثباتها هُوَ أَبُو الْوَلِيد عَن حَمَّاد بن سَلمَة- فالخطأ من أَيهمَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. وَفِي كتاب أَسمَاء رُوَاة مَالك للخطيب الْحَافِظ من حَدِيث ابْن عمر: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لحد لَهُ». ثمَّ قَالَ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ إِسْمَاعِيل بن يَحْيَى، وَهُوَ ضَعِيف، مَتْرُوك الحَدِيث.

.الحَدِيث الثَّالِث بعد السِّتين:

عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سل من قبل رَأسه سلًّا».
هَذَا الحَدِيث غَرِيب عَن ابْن عمر، لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ، ومشهور عَن ابْن عَبَّاس، وَلَعَلَّ هَذَا من سبق الْقَلَم. رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم فَقَالَ: أَنا الثِّقَة، عَن عمر بن عَطاء، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ بِدُونِ قَوْله «سلا»، وَهُوَ بِهَذَا عَن مُسلم بن خَالِد الزنْجِي وَغَيره، عَن ابْن جريج، عَن عمرَان بن مُوسَى «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سل من قبل رَأسه». قَالَ: وأنبأنا بعض أَصْحَابنَا عَن أبي الزِّنَاد وَرَبِيعَة وَأبي النَّضر- لَا اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك- «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سل من قبل رَأسه، وَأَبُو بكر وَعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما». قَالَ الْبَيْهَقِيّ بعد أَن أخرج هَذِه الثَّلَاثَة بِسَنَدِهِ إِلَى الرّبيع إِلَى الشَّافِعِي: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِيمَا بَين أهل الْحجاز.
قلت: وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الِاحْتِجَاج بقول الرَّاوِي: أَنا الثِّقَة. وَاخْتَارَ بعض الْمُحَقِّقين من أَصْحَابنَا الِاحْتِجَاج بِهِ إِن كَانَ الْقَائِل مِمَّن يُوَافقهُ فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل، فعلَى هَذَا يَصح احتجاج أَصْحَابنَا بِهَذَا الحَدِيث، وَالظَّاهِر أَن الثِّقَة فِي كَلَام الشَّافِعِي هُنَا هُوَ مُسلم بن خَالِد الزنْجِي، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: إِذا قَالَ الشَّافِعِي: أَخْبرنِي الثِّقَة عَن ابْن أبي ذِئْب فَهُوَ ابْن أبي فديك، وَإِذا قَالَ: أَخْبرنِي الثِّقَة عَن اللَّيْث بن سعد فَهُوَ يَحْيَى بن حسان، وَإِذا قَالَ: أَخْبرنِي الثِّقَة عَن الْوَلِيد بن كثير فَهُوَ عَمْرو بن أبي سَلمَة، وَإِذا قَالَ: أَخْبرنِي الثِّقَة عَن ابْن جريج فَهُوَ مُسلم بن خَالِد الزنْجِي، وَإِذا قَالَ: أَخْبرنِي الثِّقَة عَن صَالح مولَى التوءمة فَهُوَ إِبْرَاهِيم بن يَحْيَى، وَقَالَ الرّبيع بن سُلَيْمَان فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ عبد المحسن بن غَانِم فِي كِتَابه الْوَاضِح النفيس فِي فَضَائِل مُحَمَّد بن إِدْرِيس: إِذا قَالَ الشَّافِعِي: أَخْبرنِي الثِّقَة فَإِنَّهُ يُرِيد يَحْيَى بن حسان، وَإِذا قَالَ: أَنا الثِّقَة عَن ابْن أبي ذِئْب فَهُوَ الزنْجِي، أَو عَن الْأَوْزَاعِيّ فَإِنَّهُ عَمْرو بن أبي سَلمَة، وَرُبمَا كَانَ أَيُّوب بن سُوَيْد، أَو عَن أَيُّوب فَهُوَ ابْن علية، أَو عَن يَحْيَى بن سعيد فَهُوَ الدَّرَاورْدِي، أَو عَن ابْن شهَاب فَهُوَ مَالك بن أنس، وَرُبمَا كَانَ إِبْرَاهِيم بن سعد، أَو عَن الْوَلِيد بن كثير، أَو هِشَام بن عُرْوَة، أَو عبيد الله بن عمر فَإِنَّهُ حَمَّاد بن أُسَامَة، أَو عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، أَو يُونُس بن يزِيد، أَو أُسَامَة بن زيد فَهُوَ أَيُّوب بن سُوَيْد. قَالَ الرّبيع: وَإِنَّمَا يكني عَن ذكرهم للاختصار؛ لِأَن الْمُحدث قد يسأم الرِّوَايَة عَن شيخ وَاحِد، ولاسيما إِذا كثرت عَنهُ، فَيَقُول: وَحَدِيث، وَنَحْو ذَلِك. قَالَ الرّبيع: وَإِذا قَالَ الشَّافِعِي: أَخْبرنِي من لَا أتهم فِيهِ يُرِيد: ابْن إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، وَإِذا قَالَ: بعض أَصْحَابنَا. فَهُوَ يُرِيد أهل الْحجاز، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: فَهُوَ يُرِيد أَصْحَاب مَالك.
فَائِدَة: اخْتلفت الرِّوَايَات فِي كَيْفيَّة إِدْخَال النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَبره، فروَى الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس «أَنهم سلوه سلًّا من عِنْد رجل الْقَبْر». وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَابْن عَبَّاس، وَبُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «أَنهم أدخلوه فِي قَبره من جِهَة الْقبْلَة». وَهِي رِوَايَات ضَعِيفَة، بَين الْبَيْهَقِيّ ضعفها، وَأما التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ حسن حَدِيث ابْن عَبَّاس، وأنكروا ذَلِك عَلَيْهِ؛ لِأَن مدَار رِوَايَته فِيهِ وَرِوَايَة غَيره عَلَى الْحجَّاج بن أَرْطَاة، وَهُوَ ضَعِيف، وَنقل النَّوَوِيّ اتِّفَاق الْمُحدثين عَلَى ذَلِك، وَهَذَا الْجَواب إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لَو تصور إِدْخَاله عَلَيْهِ السَّلَام من جِهَة الْقبْلَة، وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَالْأَصْحَاب: إِن هَذَا غير مُمكن. وَأَطْنَبَ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَغَيره فِي الشناعة عَلَى من يَقُول ذَلِك، وَنسبه إِلَى الْجَهَالَة ومكابرة الْحسن وإنكار الْعَنَان، فَقَالَ: أَنا الثِّقَات من أَصْحَابنَا أَن قبر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى يَمِين الدَّاخِل من الْبَيْت، لاصق بالجدار، والجدار الَّذِي اللَّحْد تَحْتَهُ قبْلَة، واللحد تَحت الْجِدَار فَكيف يدْخل مُعْتَرضًا، واللحد لاصق بالجدار، لَا يقف عَلَيْهِ شَيْء وَلَا يُمكن إِلَّا أَن يسل سلاًّ، أَو يدْخل من غير الْقبْلَة. قَالَ: وَأُمُور الْمَوْتَى وإدخالهم الْقَبْر من الْأُمُور الْمَشْهُورَة عندنَا لِكَثْرَة الْمَوْت، وَحُضُور الْأَئِمَّة وَأهل الثِّقَة، وَهُوَ من الْأُمُور الْعَامَّة الَّتِي يُسْتَغْنَى فِيهَا عَن الحَدِيث، وَيكون الحَدِيث فِيهَا كالتكلف؛ لاشتراك النَّاس فِي مَعْرفَتهَا وَرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم والمهاجرون وَالْأَنْصَار بَين أظهرنَا، ينْقل إِلَيْنَا الْعَامَّة عَن الْعَامَّة، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك أَن الْمَيِّت يسلُّ سلاًّ، ثمَّ جَاءَنَا آتٍ من غير بلدنا يعلمنَا كَيفَ ندخل الْمَيِّت، ثمَّ لم يرض حَتَّى رُوِيَ عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَدخل مُعْتَرضًا». هَذَا آخر كَلَام الشَّافِعِي، وَرِوَايَة إِبْرَاهِيم مُرْسلَة ضَعِيفَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الَّذِي ذكره الشَّافِعِي أشهر فِي أَرض الْحجاز بِأخذ الْخلف عَن السّلف، فَهُوَ أولَى بالاتباع. قَالَ: وَقد رُوِيَ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي قَالَ: «أَوْصَى الْحَارِث أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ عبيد الله بن يزِيد الخطمي، فَصَلى عَلَيْهِ، ثمَّ أدخلهُ الْقَبْر من قبل رجْلي الْقَبْر، وَقَالَ: هَذَا من السّنة». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قد قَالَ هَذَا من السّنة فَصَارَ كالمسند. قَالَ: وَقد روينَا هَذَا القَوْل عَن ابْن عمر، وَأنس بن مَالك- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما.

.الحديث الرَّابِع بعد السِّتين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم دَفنه عَلّي وَالْعَبَّاس وَأُسَامَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، عَن عَامر- هُوَ الشّعبِيّ- قَالَ: «غسل النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلّي وَالْفضل وَأُسَامَة بن زيد، وهم أدخلوه قَبره». قَالَ: وحَدثني مرحب- أَو ابْن أبي مرحب- «أَنهم أدخلُوا مَعَهم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، فَلَمَّا فرغ عَلّي قَالَ: إِنَّمَا يَلِي الرجل أَهله». وَعَن الشّعبِيّ عَن أبي مرحب «أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف نزل فِي قبر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِم أَرْبَعَة». وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «ولي دفن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة: عَلّي وَالْعَبَّاس وَالْفضل وَصَالح مولَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم». وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه كَمَا سلف فِي أَوَائِل الْبَاب، وَصَححهُ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ: «كَانَ الَّذين نزلُوا فِي قبر رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: عَلَى وَالْفضل وَقثم وشقران مولَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد قَالَ أَوْس بن خوليّ لعَلي: يَا عَلّي، أنْشدك الله وحظنا من رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقَالَ لَهُ: انْزِلْ. فَنزل مَعَ الْقَوْم، فَكَانُوا خَمْسَة» وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وشقران هُوَ صَالح مولَى رَسُول الله، ولقبه شقران. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «دخل قبر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْعَبَّاس وَعلي وَالْفضل، وَسوى لحده رجل من الْأَنْصَار، وَهُوَ الَّذِي سُوَى لحود الْأَنْصَار يَوْم بدر».
تَنْبِيه: يجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات بِأَن كل وَاحِد رَوَى مَا رَأَى، أَو من نقص أَرَادَ بِهِ أول الْأَمر، وَمن زَاد أَرَادَ بِهِ آخِره، وَالله أعلم.
فَائِدَة: اخْتلف الْعلمَاء مَتى دفن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ مَالك فِي الْمُوَطَّأ: يَوْم الثُّلَاثَاء. وَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء: لَيْلَة الْأَرْبَعَاء.

.الحديث الخَامِس بعد السِّتين:

رُوِيَ «أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لما دفن سعد بن معَاذ ستر قَبره بِثَوْب».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن عقبَة عَن عَلّي بن بذيمة الْجَزرِي، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «جلل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قبر سعد بِثَوْبِهِ» ثمَّ قَالَ: لَا أحفظه إِلَّا من حَدِيث يَحْيَى بن عقبَة بن أبي الْعيزَار، وَهُوَ ضَعِيف. قلت: بِمرَّة، نسبه يَحْيَى إِلَى الْكَذِب، وَالْبُخَارِيّ إِلَى نَكَارَة الحَدِيث، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث، كَانَ يفتعل الحَدِيث. وَقد رويت هَذِه السّنة بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي «أَنه حضر جَنَازَة الْحَارِث الأعورِ، فَأمر عبدُ الله بن يزِيد أَن يبسطوا عَلَيْهِ ثوبا». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده صَحِيح، وَإِن كَانَ مَوْقُوفا. قلت: وَقد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عَلَى خلاف هَذَا، فروَى من حَدِيث عمر بن مُحَمَّد، نَا أبي، نَا زُهَيْر، عَن أبي إِسْحَاق «أَن عبد الله بن يزِيد صَلَّى عَلَى الْحَارِث الْأَعْوَر، ثمَّ تقدم إِلَى الْقَبْر، فَدَعَا بالسرير، فَوضع عِنْد رجل الْقَبْر، ثمَّ أَمر بِهِ، فَسُلَّ سلاًّ، ثمَّ لم يدعهم يمدون ثوبا عَلَى الْقَبْر وَقَالَ: هَكَذَا السّنة».

.الحَدِيث السَّادِس بعد السِّتين:

قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيسْتَحب لمن يدْخلهُ الْقَبْر أَن يَقُول: «باسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم». رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا، وَالتِّرْمِذِيّ فِي جامعه، وَالنَّسَائِيّ فِي عمل يَوْم وَلَيْلَة، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من الْوَجْه الْمَذْكُور، وَلَفظ ابْن حبَان فِي إِحْدَى روايتيه «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا وضع الْمَيِّت فِي الْقَبْر قَالَ: باسم الله وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم». وَلَفظه فِي الْأُخْرَى: «باسم الله، وَعَلَى سنة رَسُول الله». هَذَا لفظ أبي دَاوُد أَيْضا. وَلَفظ ابْن مَاجَه: «كَانَ إِذا أَدخل الْمَيِّت الْقَبْر قَالَ: بِسم الله، وَفِي سَبِيل الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله». وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: «كَانَ إِذا دخل الْمَيِّت الْقَبْر...» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «إِذا وضع الْمَيِّت فِي لحده قَالَ: بِسم الله وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «وَعَلَى سنة» بدل «مِلَّة» وَلَفظ الْحَاكِم: «إِذا وضعتم مَوْتَاكُم فِي قبوركم فَقولُوا: بِسم الله، وَعَلَى سنة رَسُول الله». وَلَفظ النَّسَائِيّ: «إِذا وضعتم مَوْتَاكُم فِي الْقَبْر فَقولُوا: بِسم الله، وَعَلَى سنة رَسُول الله». وَلَفظ أَحْمد: «إِذا وضعتم مَوْتَاكُم فِي الْقَبْر فَقولُوا: بِسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله». قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه. قَالَ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غير هَذَا الْوَجْه أَيْضا عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَرَوَاهُ أَبُو الصّديق النَّاجِي عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَقد رُوِيَ عَن أبي الصّديق النَّاجِي عَن ابْن عمر مَوْقُوفا أَيْضا.
قلت: أخرج أَحْمد الْمَرْفُوع كَمَا سلف، وَقَالَ النَّسَائِيّ: وَقفه شُعْبَة.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: إِنَّه الصَّوَاب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِرَفْعِهِ همام بن يَحْيَى، وَوَقفه عَلَى ابْن عمر شُعْبَة وَهِشَام، لَكِن همام ثِقَة حَافظ فَتكون زِيَادَته مَقْبُولَة. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام: هما أحفظ من همام، والشيخان قد احتجا بِهِ. وَقَالَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وَهَمَّام بن يَحْيَى ثَبت مَأْمُون إِذا أسْند مثل هَذَا الحَدِيث لَا يُعلل بِأحد إِذا أوقفهُ، وَقد أوقفهُ شُعْبَة. ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عمر «أَنه كَانَ إِذا وضع الْمَيِّت فِي قَبره قَالَ: باسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله». ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن جَابر البياضي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «الْمَيِّت إِذا وضع فِي قَبره فَلْيقل الَّذين يضعونه حِين يوضع فِي اللَّحْد: بِسم الله وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله». قَالَ الْحَاكِم: وَهَذَا مَشْهُور فِي الصَّحَابَة، شَاهد لحَدِيث همام عَن قَتَادَة مُسْندًا. وَرَوَى ابْن مَاجَه فِي سنَنه عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: «حضرت ابْن عمر فِي جَنَازَة فَلَمَّا وَضعهَا فِي اللَّحْد قَالَ: بِسم الله، وَفِي سَبِيل الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله. فَلَمَّا أَخذ فِي تَسْوِيَة اللَّبن قَالَ: اللَّهُمَّ أجرهَا من الشَّيْطَان. ومن عَذَاب الْقَبْر، اللَّهُمَّ جَاف الأَرْض عَن جانبيها، وَصعد روحها، ولقها مِنْك رضواناً. قلتُ: يَا ابْن عمر، أَشَيْء سمعته من رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أم قلته بِرَأْيِك؟ قَالَ: إِنِّي إِذا لقادر عَلَى القَوْل؛
بل شَيْء سمعته من رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم»
. وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَة حَمَّاد بن عبد الرَّحْمَن الْكَلْبِيّ، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: هُوَ مَجْهُول، مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر.
تَنْبِيه: وَقع هَذَا الحَدِيث فِي الْهِدَايَة والْخُلَاصَة عَلَى مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عَلَى غير وَجهه، أما صَاحب الْهِدَايَة فَإِنَّهُ قَالَ الَّذِي يَضَعهُ: يَقُول باسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله. وَكَذَا قَالَه عَلَيْهِ السَّلَام حِين وضع أَبَا دُجَانَة فِي الْقَبْر وَهَذَا عَجِيب، فَإِن أَبَا دُجَانَة توفّي بعده عَلَيْهِ السَّلَام يَوْم الْيَمَامَة فِي خلَافَة أبي بكر. وَأما صَاحب الْخُلَاصَة فَإِنَّهُ قَالَ: يَقُول الَّذِي يَضَعهُ: باسم الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. ويوجهه إِلَى الْقبْلَة، لقَوْل عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أمرنَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك لما حضر دفن رجل مطلبي. وَهَذَا غَرِيب عَن عَلّي؛ لَا أعرفهُ بعد الْبَحْث عَنهُ.
فَائِدَة: رَوَى أَحْمد فِي الْمسند، وَالْحَاكِم فِي التَّفْسِير من مُسْتَدْركه، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبيد الله بن زحر، عَن عَلّي بن يزِيد الْأَلْهَانِي، عَن الْقَاسِم، عَن أبي أُمَامَة قَالَ: «لما وضعت أم كُلْثُوم بنت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْقَبْر قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم وَمِنْهَا نخرجكم تَارَة أُخْرَى} فَلَمَّا بني لحدها قَالَ: سدوا خلال اللَّبِن. ثمَّ قَالَ: لَيْسَ هَذَا لشَيْء، وَلكنه تطييب لنَفس الْحَيّ». زَاد الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ: «بِسم الله، وَفِي سَبِيل الله، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده ضَعِيف. قلت بِمرَّة: لِأَن الثَّلَاث الأول ضعفاء لكنه من بَاب الْفَضَائِل.